تعتبر الفترة العثمانية بالجزائر (1516-1830) من أهم المراحل المفصلية في تاريخ الوطني والتي تغطي كل الفترة الحديثة والمعاصرة. ثلاث قرون من الزمن عرفت فيها دولة الجزائر صيت وسمعة دولية تجاوزت حدود عالم البحر الأبيض المتوسط بشقيه المشرقي والغربي من جهة، وتنظيم سياسي وإداري جديد لكل الإقليم من جهة ثانية. كما يزال النقاش يدور حول هذه الفترة التاريخية والتباين في التحاليل والأحكام بين الباحثين والمؤرخين يرجع سببه بالدرجة الأولى، للاختلاف اللغة في المصادر المرجعية الأرشيفية وكذا الاسقاطات الزمنية والتاريخية المرتبطة بمنهجية الدراسات التاريخية على وجه الدقة. في هذا الزحم المعرفي وتضارب الرؤى حول هذه الفترة التاريخية، جاءت فكرة تأسيس أول مخبر للدراسات والأبحاث في الموروث العثماني بالجزائر على مستوى جامعة الجزائر 2 أبو القاسم سعد الله سنة 2019م.
يصبو هذا المخبر منذ تأسيسه الى دراسة ونشر كل ماله علاقة بالموروث المادي واللامادي بالقترة العثمانية بالجزائر وتقديمها للقارئ والباحث وطلبة التخصص بالدرجة الأولى. تسهر لتحقيق هذه الغاية ستة فرق متخصصة في العديد من الميادين: التاريخ الدبلوماسي للجزائر العثمانية، التنظيم السياسي والإداري، التنظيم الاجتماعي والاقتصادي، الفكر والثقافة والفنون. كذلك دراسة ذلك الموروث الحضاري من خلال التكنولوجيات الحديثة وتوسيع دائرة البحث لمنطقة البلقان والدولة العثمانية بغية ضمان شمولية الفهم لكل مجال العالم العثماني، التي كانت الجزائر تنتمي اليه كما هو معروف. كما يصبو المخبر الى تنويع أنشطته العلمية المختلفة من أيام دراسية، عقد ملتقيات وطنية ودولية والتعريف بتاريخ الجزائر ومجهودات الأساتذة والباحثين المنتسبين للمخبر من خلال تفعيل منصة رقمية LERPOA تفتح المجال للتعاون مع الباحثين ومراكز البحث الأجنبية في التخصص المذكور. يسعى المخبر أيضا في إطار أنشطته الى الانفتاح على محيطه الاجتماعي-الاقتصادي من خلال عقد اتفاقيات شراكة من جهة واقتراح دورات تكوينية لدراسة وثائق الأرشيف للفترة العثمانية سواء باللغة العربية، العثمانية أو الاسبانية والإنجليزية.
للتذكير ينشر المخبر كل الأعمال البحثية وبكل اللغات بمجلته الموسومة ب: المجلة الجزائرية للدراسات العثمانية والبحر الأبيض المتوسط AROMS المعتمدة لدي المنصة الجزائرية للمجلات العلمية ASJP. كما يوفر المخبر لكل أعضائه والطلبة في التخصص قاعة للمطلعة ومكتبة متخصصة باللغة التركية حول التاريخ العثماني بصفة خاصة. أنني على ثقة كاملة أن كل أعضاء فرق البحث المتخصصة سيواصلون رفع التحدي للنشر و التعريف بتاريخ بلادنا في الفترة العثمانية كما اثبتوا ذلك منذ نشأة هذا المخبر و ساهموا في التقييم الإيجابي له من قبل الوكالة الموضوعاتية للعلوم الاجتماعية و الإنسانية منذ سنتين, ادعو من خلال هذه الكلمة كل الباحثين و الطلبة في الدراسات ما بعد التدرج التقرب و مشاركة المخبر في فعالياته المتعددة بغية إعادة كتابة و نشر تاريخ الجزائر في الفترة العثمانية من خلال وثائق دور الأرشيف و المصادر التاريخية من جهة و على أسس و قواعد منهجية علمية من جهة أخرى , لنتمكن من مواصلة درب الأساتذة المؤرخين الذين سبقونا في التخصص و تقديم أبحاث علمية ترقى بمستوى الجامعة الجزائرية و كرسالة وواجب يقدمها المؤرخ الباحث نحو تاريخ بلاده و مجتمعه.

أ .د شكيب بن حفري
AR
EN 